ابن قيم الجوزية

248

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقالت فرقة سادسة : هذا وعيد . وإخلاف الوعيد لا يذم . بل يمدح ، واللّه تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد . ولا يجوز عليه خلف الوعد . والفرق بينهما أن الوعيد حقه . فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ، وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه ، والوعد حق عليه ، أوجبه على نفسه ، واللّه لا يخلف الميعاد . قالوا : ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حيث يقول : نبّئت أن رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء ، وعمرو بن عبيد ، فقال عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو ، لا يخلف اللّه وعده . وقد قال : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [ النّساء : 93 ] - الآية فقال له أبو عمرو : ويحك يا عمرو ، من العجمة أتيت . إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذما . بل جودا وكرما . أما سمعت قول الشاعر : ولا يرهب ابن العم - ما عشت - صولتي * ولا يختشي من سطوة المتهدد وإني إن أوعدته ، أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقالت فرقة سابعة : هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة . ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده . فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه . وغاية هذه النصوص : الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها وقد قام الدليل على ذكر الموانع . فبعضها بالإجماع . وبعضها بالنص . فالتوبة مانع بالإجماع . والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها . والحسنات العظيمة الماحية مانعة . والمصائب الكبار المكفرة مانعة . وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص . ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص . فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين . ومن هاهنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات ، اعتبارا بمقتضى العقاب ومانعه ، وإعمالا لأرجحها . قالوا : وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما . وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية ، والأحكام القدرية . وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود . وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا . وقد جعل اللّه سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه . ويكون الحكم للأغلب منهما . فالقوة مقتضية للصحة والعافية ، وفساد الأخلاط وبغيها « 1 » مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة . والحكم للغالب منهما . وكذلك قوى الأدوية والأمراض . والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطب . وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه . فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له . ومن هاهنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ، ولا يدخل النار وعكسه . ومن يدخل النار ، ثم يخرج منها . ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه . ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر اللّه به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله ، حتى

--> ( 1 ) أي غلبة الأخلاط الفاسدة .